فصل: تفسير الآية رقم (22)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏76- 77‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ‏(‏76‏)‏ حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ‏(‏77‏)‏‏}‏

هذا إخبار من الله تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع، هذا قول روي عن ابن عباس وابن جريج أن «العذاب» هو الجوع والجدب المشهور نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها والباب والمتوعد به يوم بدر، وهذا القول يرده أن الجدب الذي نالهم إنما كان بعد وقعة بدر وروي أنهم لما بلغهم الجهد جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألست تزعم يا محمد أنك بعثت رحمة للعالمين‏؟‏ قال بلى قال قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع وقد أكلنا العهن فنزلت الآية، و‏{‏استكانوا‏}‏ معناه انخفضوا وتواضعوا، ويحتمل أن يكون من السكون ويلزمه أن يكون «استكنوا» ووجهه أن فتحة الكاف مطلت فتولدت منه الألف ويعطي التصريف أنه من «كان» وأن وزنه استفعل وعلى الأول وزنه افتعل وكونه من «كان» أبين والمعنى فما طلبوا أن يكونوا لربهم أي طاعة وعبيد خير، وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه قال‏:‏ إذا أصاب الناس من قتل السلطان بلاء فإنما هي نقمة فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار واستكينوا وتضرعوا إلى الله وقرأ هذه الآية ‏{‏ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون‏}‏ و«العذاب الشديد»، إما يوم بدر بالسيوف كما قال بعضهم وإما توعد بعذاب غير معين وهو الصواب لما ذكرناه من تقدم بدر للمجاعة، وروي عن مجاهد أن العذاب والباب الشديد هو كله مجاعة قريش‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا حسن كأن الأخذ كان في صدر الأمر ثم فتح الباب عند تناهيه حيث أبلسوا وجاء أبو سفيان، والملبس‏:‏ الذي قد نزل به شر ويئس من زواله ونسخه خير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 83‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏78‏)‏ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏79‏)‏ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏80‏)‏ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ‏(‏81‏)‏ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ‏(‏82‏)‏ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

ابتدأ تعالى بتعديد نعم في نفس تعديدها استدلال بها على عظيم قدرته وأنها لا يعزب عنها أمر البعث ولا يعظم و‏{‏أنشأ‏}‏ بمعنى اخترع و‏{‏السمع‏}‏ مصدر فلذلك وحد وقيل أراد الجنس، و‏{‏الأفئدة‏}‏ القلوب وهذه إشارة إلى النطق والعقل وقوله ‏{‏قليلاً‏}‏ نعت لمصدر محذوف تقديره شكراً قليلاً ما تشكرون وذهبت فرقة إلى أنه أراد ‏{‏قليلاً‏}‏ منكم من يشكر أي يؤمن ويشكر حق الشكر‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ والأول أظهر وَذرأ معناه بث وخلق، وقوله ‏{‏وإليه‏}‏ فيه حذف مضاف أي إلى حكمه وقضائه، و‏{‏تحشرون‏}‏ يريد البعث، وقوله ‏{‏وله اختلاف الليل والنهار‏}‏ أي له القدرة التي عنها ذلك، والاختلاف هنا التعاقب، والكون خلفة، ويحتمل أن يكون الذي هو المغايرة البينة، وقوله ‏{‏بل‏}‏ إضراب والجحد مقدر كأنه قال ليس لهم نظر في هذه الآيات أو نحو هذا، و‏{‏الأولون‏}‏ يشير به إلى الأمم الكافرة كعاد وثمود، وقوله ‏{‏لمبعوثون‏}‏ أي لمعادون أحياء وقولهم ‏{‏وآباؤنا‏}‏ أي حكى المقالة عن العرب فمرادهم من سلف من العالم جعلوهم آباء من حيث النوع واحد وإن حكى ذلك عن الأولين فالأمر مستقيم فيهم، و«الأساطير» قيل هي جمع أسطورة كأعجوبة وأعاجيب وأحدوثة وأحاديث وقيل هي جمع سطر وأسطار وأساطير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 89‏]‏

‏{‏قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏84‏)‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏85‏)‏ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ‏(‏86‏)‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏87‏)‏ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏88‏)‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ‏(‏89‏)‏‏}‏

أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها ويذعنوا لشرعه ورسالة رسوله، وقرأ الجميع في الأول ‏{‏لله‏}‏ بلا خلاف وفي الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده «لله» جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، «لله» جواباً على المعنى كأنه قال في السؤال لمن ملك ‏{‏السموات السبع‏}‏ إذ قولك لمن هذه الدار‏؟‏ وقولك من مالك هذه الدار‏؟‏ واحد في المعنى ثم جعل التوبيخ مدرجاً بحسب وضوح الحجة شيئاً فشيئاً فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء ذلك التذكر، ثم وقف على ‏{‏السموات السبع‏}‏، و‏{‏العرش‏}‏، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من التذكر وهذا بحسب وضوح الحجة، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفلا تتقون‏}‏ وعيد، ثم وقف على ‏{‏ملكوت كل شيء‏}‏ وفي الإقرار بهذا التزام كل ما تقع به الغلبة في الاحتجاج، فوقع التوبيخ بعد في غاية البلاغة بقوله ‏{‏فأنى تسحرون‏}‏ ومعنى ‏{‏أنى‏}‏ كيف ومن أين، وفي هذا تقرير سحرهم وهو سؤال عن الهيئة التي سحروا بها، والسحر هنا مستعار لهم وهو تشبيه لما وقع منهم من التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها بما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك، وقالت فرقة ‏{‏تسحرون‏}‏ معناه تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لغة، وقرأ ابن محيصن «العظيمُ» برفع الميم ‏{‏ملكوت‏}‏ مصدر في بناء مبالغة والإجارة المنع من الإنسان والمعنى أن الله إذا منع احداً فلا يقدر عليه، وإذا أراد أحداً فلا مانع له، وكذلك في سائر قدرته وما نفذ من قضائه لا يعارض ذلك الشيء ولا يحيله عن مجراه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 92‏]‏

‏{‏بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏90‏)‏ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏91‏)‏ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏92‏)‏‏}‏

المعنى ليس الأمر كما يقولون من نسبتهم إلى الله تعالى ما لا يليق به ‏{‏بل آتيناهم‏}‏ وقرأ ابن أبي إسحاق «بل آتيناك» على الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، ‏{‏ولكاذبون‏}‏ يراد فيما ذكروا الله تعالى به من الصاحبة والولد والشريك، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان معه من إله‏}‏ دليل على التمانع وهذا هو الفساد الذي تضمنه قوله ‏{‏ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏ والجزء المخترع محال أن يتعلق به قدرتان فصاعداً أو يختلف الإلهان في إرادة فمحال نفوذهما ومحال عجزهما فإذا نفذت إرادة الواحد فهو العالي والآخر ليس بإله، فإذا قيل نقدرهما لا يختلفان في إرادة قيل ذلك بفرض، فإذا جوزه الكفار قامت الحجة فإن ما التزم جوازه جرى ما التزم وقوعه، وقوله ‏{‏إذاً‏}‏ جواب لمحذوف تقديره لو كان معه إله ‏{‏إذاً لذهب‏}‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم «عالمِ» بكسر الميم اتباعاً للمكتوبة في قوله ‏{‏سبحان الله‏}‏، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم «عالمُ» بالرفع والمعنى هو «عالم» قال الأخفش‏:‏ الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحدٍ قال أبو علي‏:‏ ووجهه الرفع إن الكلام قد انقطع‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ والابتداء عندي أبرع والفاء في قوله ‏{‏فتعالى‏}‏ عاطفة بالمعنى كأنه قال‏:‏ علم الغيب والشهادة ‏{‏فتعالى‏}‏ وهذا كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته ويحتمل أن يكون المعنى فأقول تعالى ‏{‏عما يشركون‏}‏ على إخبار مؤتنف، و‏{‏الغيب‏}‏ ما غاب عن الناس و‏{‏الشهادة‏}‏ ما شهدوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 98‏]‏

‏{‏قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ‏(‏93‏)‏ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏94‏)‏ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ‏(‏95‏)‏ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ‏(‏96‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ‏(‏97‏)‏ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ‏(‏98‏)‏‏}‏

أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك، و«إن» شرط و«ما» زائدة، و‏{‏تريني‏}‏ جزم بالشرط لزمت النون الثقيلة وهي لا تفارق «إما» عند المبرد، ويجوز عن سيبويه أن تفارق فيقال ‏{‏إما تريني‏}‏ لكن استعمال القرآن لزومها فمن هنالك ألزمها المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في جودة الخاتمة، وفي هذه الآية بجملتها إعلام بقرب العذاب منهم كما كان في يوم بدر، وقوله ثانياً اعتراض بين الشرط وجوابه، وقوله ‏{‏ادفع بالتي هي أحسن‏}‏ الآية أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها، لهذا فهو حكم باق في الأمة أبداً وما كان فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال، وقوله ‏{‏نحن أعلم بما يصفون‏}‏ يقتضي أنها آية موادعة، وقال مجاهد «الدفع بالتي هي أحسن» هو السلام يسلم عليه إذا لقيه، وقال الحسن‏:‏ والله لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه عما يكره‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ هذه الطرفان وفي هذه عدة للنبي صلى الله عليه وسلم أي اشتغل بهذا وكل تعذيبهم والنقمة منهم إلينا وأمره بالتعوذ من الشيطان في «همزاته» وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة، فلذلك اتصلت بهذه الآية، وقال ابن زيد‏:‏ «همز الشيطان» الجنون‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وفي مصنف أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، همزه ونفخه ونفثه» قال أبو داود همزه الموتة وهي الجنون ونفخه الكبر ونفثه السحر‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ والنزعات وسورات الغضب من الشيطان وهي المتعوذ منها في الآية، والتعوذ من الجنون أيضاً وكيد، وفي قراءة أبي بن كعب «ربي عائذاً بك من همزات الشيطان وعائذاً بك رب أن يحضرون»، وقوله ‏{‏أن يحضرون‏}‏ أن يكونوا معي في أموري فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز فإذا لم يكن حضور فلا همز‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وأصل الهمز الدفع والوخز بيد وغيرها ومنه همز الخيل وهمز الناس باللسان وقيل لبعض العرب أتهمز الفأرة، سئل بذلك عن اللفظة فظن أن المراد شخص الفأرة فقال الهر يهمزها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 102‏]‏

‏{‏حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ‏(‏99‏)‏ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏100‏)‏ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏101‏)‏ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏حتى‏}‏ في هذا الموضع حرف ابتداء ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأول أبين لأن ما بعدها هو المعنيّ به المقصود ذكره، والضمير في قوله ‏{‏أحدهم‏}‏ للكفار، وقوله ‏{‏ارجعون‏}‏ معناه إلى الحياة الدنيا، وجمع الضمير يتخرج على معنيين إما أن يخاطبه مخاطبة الجمع تعظيماً على نحو إخباره تعالى عن نفسه بنون الجماعة في غير موضع، وإما أن تكون استغاثة بربه اولاً ثم خاطب ملائكة العذاب بقوله ‏{‏ارجعون‏}‏، وقال الضحاك هي من المشرك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لعائشة «إذا عاين المؤمن قالت الملائكة نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدماً إلى الله وأما الكافر فيقول ‏{‏ارجعون لعلي أعمل صالحاً‏}‏»، وقرأ الحسن والجمهور «لعلي» بسكون الياء، وقرأ طلحة بن مصرف «لعليَ» بفتح الياء، و‏{‏كلا‏}‏ رد وزجر وهي من كلام الله تعالى، وقوله ‏{‏إنها كلمة هو قائلها‏}‏ يحتمل ثلاثة معان‏:‏ أحدهما الإخبار المؤكد بأن هذا الشيء يقع ويقول هذه الكلمة، والآخر أن يكون المعنى إنها كلمة لا تغني أكثر من أن يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث، والثالث أن تكون إشارة إلى أنه لو رد لعاد فتكون آية ذم لهم، والضمير في ‏{‏ورائهم‏}‏ للكفار أي يأتي بعد موتهم حاجز من المدة و«البرزخ»، في كلام العرب الحاجز بين المسافتين، ثم يستعار لما عدا ذلك فهو هنا للمدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه، هذا إجماع من المفسرين، وقرأ الجمهور «في الصور» وهو القرن، وقرأ ابن عباس «الصوَر» بفتح الواو جمع صورة، و‏{‏يوم‏}‏ مضاف إلى ‏{‏يبعثون‏}‏ وقوله ‏{‏فى أنساب بينهم يومئذ‏}‏ اختلف المتأولون في صفة ارتفاع الأنساب فقال ابن عباس وغيره‏:‏ هذا في النفخة الأولى وذلك أن الناس بأجمعهم يموتون فلا يكون بينهم نسب في ذلك الوقت وهم أموات‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر، وقال ابن مسعود وغيره‏:‏ إنما المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرئ بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها المعنى ‏{‏فلا أنساب‏}‏ وروي عن قتادة أنه قال‏:‏ ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمة وفي وذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا الحديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا التأويل حسن وهو مروي المعنى عن ابن عباس و«ثقل الموازين» هو الحسنات، والثقل والخفة إنما يتعلق بأجرام يخترع الله فيها ذلك وهي فيما روي براءات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 108‏]‏

‏{‏وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ‏(‏103‏)‏ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ‏(‏104‏)‏ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ‏(‏105‏)‏ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ‏(‏106‏)‏ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ‏(‏107‏)‏ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ‏(‏108‏)‏‏}‏

جمع «الموازين» من حيث الموزون جمع وهي الأعمال ع ومعنى الوزن إقامة الحجة على الناس بالمحسوس على عادتهم وعرفهم، ووزن الكافر على أحد وجهين‏:‏ إما أن يوضع كفره في كفه فلا يجد شيئاً يعادله في الكفة الأخرى، وإما أن توضع أعماله من صلة رحم ووجه بر في كفة الحسنات ثم يوضع كفره في الكفة الأخرى فتخف أعماله، و«لفح النار» إصابتها بالوهج والإحراق، وقرأ أبو حيوة «كلحون» بغير ألف والكلوح انكشاف الشفتين عن الاسنان، وهذا يعتري الإنسان عن المباطشة مع الغضب، ويعتري الرؤوس عند النار، وقد شبه عبد الله بن مسعود في هذه الآية مما يعتري رؤوس الكباش إذا شيطت بالنار فإنها تكلح ومعه كلوح الكلب والأسد ويستعار للزمن والخطوب‏.‏ وقوله ‏{‏ألم تكن آياتي‏}‏ قبله محذوف تقديره يقال لهم، و«الآيات» هنا القرآن وأخبر عنهم تعالى أنهم إذا سمعوا هذا التقرير أذعنوا وأقروا على أنفسهم وسلموا بقولهم ‏{‏غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين‏}‏ وقرأ الجمهور «شِقوتنا» بكسر الشين دون ألف بعد القاف وهي قراءة الحرميين، وقرأ الحمزة والكسائي «شَقاوتنا» بفتح الشين وألف بعد القاف وهي قراءة ابن مسعود، وخير عاصم في الوجهين وهما مصدران من شقي يشقى، ثم تدرجوا من الإقرار إلى الرغبة والتضرع وذلك أنهم ذلوا لأن الإقرار بالذنب اعتذار وتنصل، فوقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اخسؤوا فيها ولا تكلمون‏}‏ وجاء ‏{‏ولا تكلمون‏}‏ بلفظ نهي وهم لا يستطيعون الكلام على ما روي فهذا مبالغة في المنع، ويقال إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا، وحكى الطبري حديثاً طويلاً في مقاولة تكون بين الكفار وبين مالك خازن النار، ثم بينهم وبين ربهم وآخرها هذه الكلمة ‏{‏اخسؤوا فيها‏}‏ قال فتنطبق عليهم جهنم ويقع اليأس ويبقون ينبح بعضهم في وجه بعض‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ واختصرت هذا الحديث لعدم صحته لكن معناه صحيح عافانا الله من ناره بمنه، وقوله ‏{‏اخسؤوا‏}‏ زجر يستعمل في زجر الكلاب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد اخسأ فلن تعدو قدرك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 111‏]‏

‏{‏إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏109‏)‏ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ‏(‏110‏)‏ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

قرأ هارون «أنه كان» بفتح الألف وهي قراءة أبي ابن كعب، وروي أن في مصحف أبي بن كعب «أن كان» وهذا كله متعاضد، وفي قراءة ابن مسعود «تكلمون كان فريق» بغير «إنه» وهذه تعضد كسر الألف من «إنه» لأنها استئناف، وهذه الهاء هي مبهمة ضمير للأمر، والكوفيون يسمونها المجهولة وهي عبارة فاسدة، وهذه الآية كلها مما يقال للكفار على جهة التوبيخ، و«الفريق» المشار إليه كل مستضعف من المؤمنين يتفق أن تكون حاله مع كفار في مثل هذه الحال، ونزلت الآية في كفار قريش مع صهيب وبلال وعمار ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى مجراهم قديماً وبقية الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي «سُخرياً» بضم السين، وقرأ الباقون «سِخرياً» بكسرها، فقالت طائفة هما بمعنى واحد وذكر ذلك الطبري، وقال ذلك أبو زيد الأنصاري إنهما بمعنى الهزء، وقال أبو عبيدة وغيره‏:‏ إن ضم السين من «السخرة» والتخديم وكسر السين من السخر وهو الاستهزاء ومنه قول الأعشى‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

إني أتاني حديث لا أسرُّ به *** من علو لا كذب ولا سخر

قال أبو علي قراءة كسر السين أوجه لأنه بمعنى الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏{‏وكنتم منهم تضحكون‏}‏‏.‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ألا ترى إلى إجماع القراء على ضم السين في قوله ‏{‏لتخذ بعضهم بعضاً سخرياً‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 32‏]‏ لما تخلص الأمر للتخديم، قال يونس إذا أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا أريد تخلص الاستهزاء فالضم والكسر، وقرأ أصحاب عبد الله والأعرج وابن أبي إسحاق كل ما في القرآن بضم السين، وقرأ الحسن وأبو عمرو كل ما في القرآن بالكسر إلا التي في الزخرف فإنهما ضما السين كما فعل الناس لأنها من التخديم، وأضاف «الإنسان» إلى «الفريق» من حيث كان بسببهم والمعنى أن اشتغالهم بالهزء بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «أنهم هم الفائزون» بفتح الألف، ف ‏{‏جزيتهم‏}‏ عامل في «أن»، ويجوز أن يعمل في مفعول محذوف ويكون التقدير لأنهم، وقرأ حمزة والكسائي وخارجة عن نافع «إنهم» بكسر الألف فالمفعول الثاني ل «جزية» مقدر تقديره الجنة أو الرضوان، و‏{‏الفائزون‏}‏ المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز النجاة من هلكة إلى نعمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112- 115‏]‏

‏{‏قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ‏(‏112‏)‏ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ‏(‏113‏)‏ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏114‏)‏ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ‏(‏115‏)‏‏}‏

قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر «قال كم لبثتم» و«قل إن لبثتم»، وقرأ حمزة والكسائي فيهما «قل لكم لبثتم» و«قل إن لبثتم»، وروى البزي عن ابن كثير «قل كم» على الأمر «قال إن» على الخبر، وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائي التاء، والباقون لا يدغمون‏.‏ فمعنى الأول إخبار عن الله بوقفهم بالسؤال عن المدة ثم يعلمهم آخراً بلبثهم قليلاً، ومعنى الثانية الأمر لواحد منهم مشار إليه بمعنى يقال لأحدهم قل كذا فإذا غير القويم قيل له «قل إن لبثتم»، ومعنى رواية البزي التوقيف ثم الإخبار وفي المصاحف قال فيهما إلا في مصحف الكوفة فإن فيه «قل» بغير الألف، وقوله ‏{‏في الأرض‏}‏ قال الطبري معناه في الدنيا أحياء وعن هذا وقع السؤال ونسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا ‏{‏يوماً أو بعض يوم‏}‏‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ والغرض من هذا توقيفهم على أن أعمارهم قصيرة أداهم الكفر فيها إلى عذاب طويل، وقال جمهور المتأولين معناه في جوف التراب أمواتاً‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث، وكان قوله إنهم لا يقومون من التراب قيل لهم لما قدموا ‏{‏كم لبثتم‏}‏‏؟‏ وقوله آخراً ‏{‏وأنكم إلينا لا ترجعون‏}‏ يقتضي ما قلناه، و‏{‏عدد‏}‏ نصب ب ‏{‏كم‏}‏ على التمييز، وقرأ الأعمش «عدداً سنين» بتنوين «عدداً» وقال مجاهد أرادوا ب ‏{‏العادين‏}‏ الملائكة، وقال قتادة أرادوا أهل الحساب‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وظاهر اللفظ أنهم أرادوا سل من يتصف بهذه الصفة، ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها لأن النائم والميت لا يعد الحركة فيقدر له الزمن، وقوله ‏{‏إن لبثتم إلا قليلاً‏}‏ مقصده على القول بأن اللبث في الدنيا، أي قليل القدر في جنب ما تعذبون، على القول بأن اللبث في القبور معناه أنه قليل إذ كل آت قريب ولكنكم كذبتم به إذ كنتم لا تعلمون إذ لم ترغبوا في العلم والهدى، و‏{‏عبثاً‏}‏ معناه باطلاً لغير غاية مرادة، وقرأ الجمهور «تُرجعون» بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ حمزة والكسائي «تَرجِعون» بفتح التاء وكسر الجيم والمعنى فيهما بين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏116- 118‏]‏

‏{‏فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ‏(‏116‏)‏ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ‏(‏117‏)‏ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏118‏)‏‏}‏

المعنى ‏{‏فتعالى الله‏}‏ عن مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد ومن حسابهم أنهم لا يرجعون، أي تنزه الله عن تلك الأمور وتعالى عنها، وقرأ ابن محيصن «الكريمُ» برفع صفة للرب، ثم توعد جلت قدرته عبدة الأصنام بقوله‏:‏ ‏{‏ومن يدع مع الله‏}‏ الآية والوعيد قوله ‏{‏فإنما حسابه عند ربه‏}‏ والبرهان الحجة وظاهر الكلام أن ‏{‏من‏}‏ شرط وجوابه في قوله‏:‏ ‏{‏فإنما حسابه عند ربه‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لا برهان له به‏}‏ في موضع الصفة وذهب قوم إلى أن الجواب في قوله ‏{‏لا برهان‏}‏ وهذا هروب من دليل الخطاب من أن يكون ثم داع له البرهان‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وهذا تحفظ مما لا يلزم ويلحقه حذف الفاء من جواب الشرط وهو غير فصيح قال سيبويه، وفي حرف عبد الله «عند ربك» وفي حرف أبي عند الله وروي أن فيه «على الله»، ثم حتم وأكد أن الكافر لا يبلغ أمنيته ولا ينجح سعيه، وقرا الجمهور «إنه» بكسر الألف، وقرأ الحسن وقتادة «أنه» بفتحها، والمعنى أنه إذ لا يذكر و‏{‏لا يفلح‏}‏ يؤخر حسابه وعذابه حتى يلقى ربه‏.‏ وقرأ الحسن «يَفلَح» بفتح الياء واللام، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء في المغفرة والرحمة والذكر له تعالى بأنه ‏{‏خير الراحمين‏}‏ لأن كل راحم فمتصرف على إرادة الله وتوفيقه وتقديره لمقدار هذه الرحمة، ورحمته تعالى لا مشاركة لأحد فيها، وأيضاً فرحمة كل راحم في أشياء وبأشياء حقيرات بالإضافة إلى المعاني التي تقع فيها رحمة الله تعالى من الاستنقاذ من النار، وهيئة نعيم الجنة وعلى ما في الحديث فرحمة كل راحم بمجموعها كلها جزء من مائة رحمة الله جلت قدرته‏:‏ إذ بث في العالم واحدة وأمسك عنده تسعة وتسعين، وقرأ ابن محيصن «ربُّ اغفر» بضم الباء‏.‏

سورة النور

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏1‏)‏ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله ‏{‏سورة‏}‏ قرأ الجمهور، «سورةٌ» بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر ومجاهد «سورةً» بالنصب، وروي ذلك أيضاً عن عمر بن عبد العزيز وعن أبي الدرداء، فوجه الرفع خبر ابتداء مضمر تقديره هذه سورة، أو ابتداء وخبره مقدم تقديره فيما يتلى عليكم، ويحتمل أن يكون قوله «سورة» ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة، فحسن الابتداء لذلك ويكون الخبر في قول‏:‏ ‏{‏الزانية‏}‏ وفيما بعد ذلك، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها بدء وختم ولكن يلحق هذا القول‏:‏ إن كون الابتداء هو الخبر ليس بالبين إلا أن نقدر الخبر في السورة بأسرها وهذا بعيد في القياس، وقول الشاعر «فارس ما تركوه»، ووجه النصب إضمار فعل قدره بعضهم اتلوا سورة أو نحوه، وجعله بعضهم أنزلنا ‏{‏سورة أنزلناها‏}‏، وقال الفراء هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه، وقرأ جمهور الناس «وفرضناها» بتخفيف الراء، ومعناه الإثبات والإيجاب بأبلغ وجوهه إذ هو مشبه بالفرض في الأجرام، وقرأ مجاهد وغيره وأبو عمرو وابن كثير وعمر بن عبد العزيز وابن مسعود «وفرّضناها» بشد الراء ومعناه جعلناها فرائض فرائض، فمن حيث تردد ذلك ضعّف الفعل للمبالغة والتكثير، وقرأ الأعمش «وفرضناها لكم»، وحكى الزهراوي عن بعض العلماء أنه قال كل ما السورة من أمر ونهي فرض لا حض بهذه اللفظة، و«الآيات البينات» أمثالها ومواعظها وأحكامها، وقال الزهراوي المعنى ليس فيها مشكل تأويلها موافق لظاهرها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تحكم، وقوله ‏{‏لعلكم‏}‏ أي على توقع البشر ورجائهم، وقرأ الجمهور الناس «الزانيةُ» بالرفع، وقرأ عيسى الثقفي «الزانيةَ» بالنصب وهو أوجه عن سيبويه لأنه عنده كقولك زيداً أضرب، ووجه الرفع عنده خبر ابتداء تقديره فيما يتلى عليكم ‏{‏الزانية والزاني‏}‏، وأجمع الناس على الرفع، وإن كان القياس عند سيبويه النصب، وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه والخبر في قوله ‏{‏فاجلدوا‏}‏ لأن المعنى ‏{‏الزانية والزاني‏}‏ مجلودان بحكم الله تعالى وهذا قول جيد وهو قول أكثر النحاة، وان شئت قدرت الخبر ينبغي أن يجلدا، وقرأ ابن مسعود «والزان» بغير ياء، وقدمت ‏{‏الزانية‏}‏ في اللفظ من حيث كان في ذلك الزمن زنى النساء أفشى وكان لأمراء العرب وبغايا الوقت رايات وكن مجاهرات بذلك وإذا العار بالنساء ألحق إذ موضعهن الحجبة والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظاً واهتماماً، والألف واللام في قوله‏:‏ ‏{‏الزانية والزاني‏}‏ للجنس وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة وهذه الآية باتفاق ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وجماعة العلماء على عموم هذه الآية وأن حكم المحصنين منسوخ منها، واختلفوا في الناسخ فقالت فرقة الناسخ السنة المتواترة في الرجم، وقالت فرقة بل القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأه عمر في المنبر بمحضر الصحابة‏:‏ «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، وقال إنا قرأناه في كتاب الله، واتفق الجميع على أن لفظه رفع وبقي حكمه، وقال الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه ليس في هذه الآية نسخ بل سنة الرجم جاءت بزيادة، فالمحصن، على رأي هذه الفرقة يجلد ثم يرجم، وهو قول علي بن أبي طالب وفعله بشراحة ودليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم

«والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، ويرد عليهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث يرجم ولم يجلد، وبه قال جمهور الأمة إذ فعله كقوله رفع الجلد عن المحصن وقال ابن سلام وغيره هذه الآية خاصة في البكرين‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ لإنه لم يبق من هذا حكمه إلا البكران واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، وبقوله «على ابنك جلد مائة»، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج الإماء والعبيد وغيرهم منها، وقد تقدم بسط كثير من هذه المعاني في سورة النساء، و«الجلد» يكون والمجلود قاعد، عند مالك ولا يجزئ عنده إلا في الظهر، وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف وهو قول علي بن أبي طالب ويفرق الضرب على كل الأعضاء، وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل، ويترجح قول مالك رحمه الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم «البينة أو حد في ظهرك»، وقول عمر‏:‏ أو لأوجعن مثناك، ويعرى الرجل عند مالك والنخعي وأبي عبيدة بن الجراح وابن مسعود وعمر بن عبدالعزيز والحسن والشعبي وغيرهم يرون أن يضرب على قميص وهو قول عثمان بن مسعود أيضاً، وأما المرأة فتستر قولاً واحداً، وقرأ الجمهور «رأْفة» همزة ساكنة على وزن فعلة، وقرأ ابن كثير «رأَفة» على وزن فعَله بفتح العين، وقرأ عاصم أيضاً «رآفة» على وزن فعالة كسآمة وكآبة، وهذه مصادر أشهرها الأولى من رأف إذا أرق ورحم، وقرأ الجمهور «تأخذكم» بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن «يأخذكم» بالياء من تحت واختلف الناس في الرأفة المنهي عنها فيم هي فقال أبو مجلز ولاحق بن حميد ومجاهد وعكرمة وعطاء هي في إسقاط الحد أي أقيموه، ولا بد وهذا تأويل ابن عمر وابن جبير وغيرهما ومن رأيهم أن الضرب في الزنا والفرية والخمر على نحو واحد، وقال قتادة وابن المسيب وغيرهما «الرأفة» المنهي عنها في تخفيف الضرب عن الزناة، ومن رأيهم أن يخفف ضرب الخمر والفرية، ويشتد ضرب الزنا، وقال سليمان بي يسار نهي عن الرأفة في الوجهين، وقال أبو مجلز إنا لنرجم المحدود ولكن لا نسقط الحد‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وقول النبي عليه السلام في السوط دون هذا، ضرب من الرأفة وقال عمر اضرب ولا تبدين إبطك، واتفق الناس على أن الضرب سوط بين سوطين، وقال الزهري ضرب الزنا والفرية مشدد لأَنهما بمعنى واحد وضرب الخمر مخفف، وقوله ‏{‏في دين الله‏}‏ بمعنى في الإخلال بدين الله أَي بشرعه، ويحتمل أن يكون «الدين» هنا بمعنى الحكم، ثم قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم تؤمنون بالله‏}‏ وهذا كما تقول لرجل تحضه إن كنت رجلاً فافعل كذا أي هذه أفعال الرجال وقوله ‏{‏وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين‏}‏، المقصد بالآية الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، فلا خلاف أن «الطائفة» كلما كثرت فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف الناس في أَقل ما يجزئ فقال الحسن بن أبي الحسن لا بد من حضور عشرة رأى أن هذا العدد عقد خارج عن الآحاد وهي أقل الكثرة‏.‏

وقال ابن زيد وغيره ولا بد من حضور أربعة، ورأوا أن شهادة الزنا كذلك وأن هذا باب منه، وقال الزهري «الطائفة» ثلاثة فصاعداً، وقال عطاء وعكرمة لا بد من اثنين وهذا مشهور قول مالك فرآها موضع شهادة، وقال مجاهد‏:‏ يجزئ الواحد ويسمى طائفة إلى الألف، وقاله ابن عباس ونزعا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 122‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن طائفتان‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 9‏]‏ ونزلت في تقاتل رجلين، واختلف العلماء في التغريب، وقد غرب الصديق إلى فدك وهو رأي عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وأَبي بن كعب ولكن عمر بعد نفى رجلاً فلحق بالروم فقال لا أنفي أحداً بعدها، وفيه عن مالك قولان، ولا يرى تغريب النساء والعبيد واحتج بقوله عليه السلام «لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ذي محرم»، وممن أبى التغريب جملة أصحاب الرأي، وقال الشافعي ينفى البكر رجلاً كان أو امرأة ونفى علي امرأة إلى البصرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

في هذه الآية أربعة أوجه من التأويل‏:‏ أحدها أن يكون مقصد الآية تشنيع وتبشيع أمره وأنه محرم على المؤمنين واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ويريد بقوله ‏{‏لا ينكح‏}‏ أي لا يطأ فيكون النكاح بمعنى الجماع وردد القصة مبالغة وآخذاً من كلا الطرفين، ثم زاد تقسيم المشرك والمشركة من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنا، فالمعنى ‏{‏الزاني‏}‏ لا يطأ في وقت زناه ‏{‏إلا زانية‏}‏ من المسلمين أو من هي أخس منها من المشركات، وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء، وأنكر ذلك الزجاج وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، وليس كما قال، وفي القرآن ‏{‏حتى تنكح زوجاً غيره‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 230‏]‏ وقد بينه النبي عليه السلام أنه بمعنى الوطء، وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ولكن غير ملخص ولا مكمل‏.‏ والثاني أن تكون الآية نزلت في قوم مخصوصين وهذا قول روي معناه عن عبدالله بن عمر وعن ابن عباس وأصحابه قالوا وهم قوم كانوا يزنون في جاهليتهم ببغايا مشهورات، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنا، فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاق على من ارتسم بزواجهن فنزلت الآية بسببهن، والإشارة ب ‏{‏الزاني‏}‏ إلى أحد أولئك حمل عليه اسم الزنى الذي كان في الجاهلية، وقوله ‏{‏لا ينكح‏}‏ أي لا يتزوج، وفي الآية على هذا التأويل معنى التفرغ عليهم وفي ذلك توبيخ كأنه يقول أي مصاب الزاني لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة أي تنزع نفوسهم إلى هذه الخسائس لقلة انضباطهم، ويرد على هذا التأويل الإجماع على أن ‏{‏الزانية‏}‏ لا يجوز أن يتزوجها مشرك، ثم قوله ‏{‏وحرم ذلك على المؤمنين‏}‏ أي نكاح أولئك البغايا، فيزعم أهل هذا التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله على أمة محمد عليه السلام ومن أشهرهن عناق البغي وكان الذي هم بتزويجها يلقب دولدل كان يستخرج ضعفة المسلمين من مكة سراً ففطنت له ودعته إلى نفسها فأبى الزنى وأراد التزويج، واستأذن في ذلك النبي عليه السلام، فنزلت الآية ولما دعته وأبى قالت له‏:‏ أي تبور والله لأفضحنك، وذكر الطبري أن من البغايا المذكورات أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، ويقال فيها أم مهزم وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية، جارية العاصي بن وائل، ومزنة جارية مالك بن عميلة بن سباق، وخلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة، وفرنتا جارية هلال بن أنس، وغيرهن ممن كانت لهن رايات تعرف منازلهن بها، وكذلك كان بالمدينة إماء عبد الله بن أَبي وغيره مشهورات، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال في سياق هذا التأويل كانت بيوت في الجاهلية تسمى المواخير، كانوا يؤجرون فيها فتياتهم وكانت بيوتاً معلومة للزنى، فحرم الله ‏{‏ذلك على المؤمنين‏}‏، ويحتمل أَن يكون هذا الكلام في التأويل الذي ذكرته قبل هذا، وواحد المواخير ماخور ومنه قول بعض المحدثين في كل واد هبطن فيه دسكرة في كل نشز صعدن فيه ماخور‏.‏

والتأويل الثالث تأويل ذكره الزجاج وغيره عن الحسن وذلك أَنه قال المراد ‏{‏الزاني‏}‏ المحدود ‏{‏والزانية‏}‏ المحدودة قال وهذا حكم من الله فلا يجوز لزان محدود أَن يتزوج إلا زانية محدودة، وروي أن محدوداً تزوج غير محدودة فرد علي بن أبي طالب نكاحهما، وقوله ‏{‏حرم ذلك‏}‏ يريد الزنى، وحكى الزهراوي في هذا حديثاً من طريق أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» وهذا حديث لا يصح، وقول فيه نظر، وإدخال «المشرك» في الآية يرده، وألفاظ الآية تأباه وإن قدرت المشركة بمعنى الكتابية فلا حيلة في لفظ المشرك، ورابع قول روي عن سعيد بن المسيب وذلك أنه قال‏:‏ هذا حكم كان في الزنى عامة أن لا يتزوج زان إلا زانية جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنكحوا الأيامى منكم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 32‏]‏ وروي ترتيب هذا النسخ أيضاً عن مجاهد، إلا أنه قال أن التحريم إنما كان في أولئك النفر خاصة لا في الزناة عامة، ذكر ذلك عنهما أبو عبيدة في ناسخه وذكر عن مجاهد أنه قال‏:‏ حرم نكاح أولئك البغايا على أولئك النفر‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وذكر الإشتراك في الآية يضعف هذه المناحي، وقرأ أبو البرهسم «وحرم الله ذلك على المؤمنين»، واختلف فيمن زنا بأمرأة ثم أراد نكاحها فأجاز ذلك أبو بكر الصديق وابن عمر وجابر بن عبد الله وطاوس وابن الحسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة وابن عباس ومالك والثوري والشافعي ومنعه ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة وقالوا لا يزالان زانيين ما اجتمعا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 5‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏4‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏‏}‏

هذه الآية نزلت في القاذفين، فقال سعيد بن جبير كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقيل نزلت بسبب القذفة عاماً لا في تلك النازلة، وذكر الله تعالى في الآية قذف النساء من حيث هواهم، ورميهن بالفاحشة أبشع وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع، وحكى الزهراوي أن في المعنى الأنفس ‏{‏المحصنات‏}‏ فهي بلفظها الرجال والنساء ويدل على ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النساء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 24‏]‏، والجمهور على فتح الصاد من «المحصَنات»، وكسرها يحيى بن وثاب‏.‏ و‏{‏المحصنات‏}‏ العفائف في هذا الموضع لأن هذا هو الذي يجب به جلد القاذف، والعفة أعلى معاني الإحصان إذ في طيه الإسلام، وفي هذه النازلة الحرية ومنه قول حسان‏:‏ حصان رزان، البيت، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والتي أحصنت فرجها‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 91‏]‏، وذكر الله من صفات النساء المنافية للرمي بالزنا ولتخرج من ذلك من ثبت عليها الزنى وغير ذلك ممن لم تبلغ الوطء من النساء حسب الخلاف في ذلك وعبر عن القذف ب «الرمي»، من حيث معتاد الرمي أَنه مؤذ كالرمي بالحجر والسهم فلما كان قول القاذف مؤذياً جعل رمياً، وهذا كما قيل وجرح اللسان كجرح اليد، والقذف والرمي معنى واحد، وشدد الله تعالى على القاذف ‏{‏بأربعة شهداء‏}‏ رحمة بعباده وستراً لهم، وقرأ جمهور الناس «بأربعةِ شهداء» على إضافة الأربعة إلى الشهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة وابن جريج «بأربعةٍ» بالتنوين و«شهداء» على هذا، إما بدل وإما صفة للأربعة وإما حال وإما تمييز وفي هذين نظر إذ الحال من نكرة والتمييز مجموع، وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر، وقد حسن أبو الفتح هذه القراءة ورجحها على قراءة الجمهور، وحكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة مبالغة كالمرود في المكحلة في موطن واحد فإن اضطراب منهم واحد جلد الثلاثة والقاذف كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أمر المغيرة بن شعبة وذلك أَنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع، وقال الزهراوي عبدالله بن الحارث وزياد أخوهما لأم، وهو مستلحق معاوية وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة توقف زياد ولم يؤدها كاملة، فجلد عمر الثلاثة المذكورين، و«الجلد» الضرب والمجالدة المضاربة في الجلود، أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف وغيره ومنه قول قيس بن الخطيم‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أجالدهم يوم الحديقة حاسراً *** كأن يدي بالسيف مخراق لاعب

ونصب ‏{‏ثمانينَ‏}‏ على المصدر و‏{‏جلدةً‏}‏ على التمييز، ثم أمر تعالى أن لا تقبل للقذفة المحدودين ‏{‏شهادة أبداً‏}‏ وهذا يقتضي مدة أَعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم ‏{‏فاسقون‏}‏ أي خارجون عن طاعة الله عز وجل، ثم استثنى عز وجل من تاب وأصلح بعد القذف فإِنه وعدهم بالرحمة والمغفرة، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف‏:‏ جلده، ورد شهادته أبداً، وفسقه، فالاستثناء، غير عامل في جلده بإجماع وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن الثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا في صورة فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأَن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأَبى أبو بكرة من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك رحمه الله وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأَجل في الإثبات موقوفة، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته‏.‏ و‏{‏تابوا‏}‏ معناه رجعوا وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضاً على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز شهادته، فقال مالك رحمه الله تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء من الأَشياء، وقال سحنون رحمه الله من حد في شيء من الأَشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان، وإن كان عدلاً، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أَن شهادته لا تجوز في الزنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 10‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏6‏)‏ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏7‏)‏ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏8‏)‏ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏9‏)‏ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

لما نزلت الآية المتقدمة في ‏{‏الذين يرمون‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 4‏]‏ تناول ظاهرها الأَزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني»، وفي الفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك فجمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وولدت غلاماً كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميراً بمصر وهو لا يعرف لنفسه أباً‏.‏ ثم جاءه أيضاً عويمر العجلاني فرمى امرأته ولاعن‏.‏ والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدي، و«الأزواج» في هذا الحكم يعم المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة بدفع حد القذف عن نفسه، وقرأ الجمهور «أربعَ شهادات» بالنصب وهو كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله ‏{‏فشهادة‏}‏ ورفع «الشهادة» على خبر ابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله ‏{‏بالله‏}‏ من صلة ‏{‏شهادات‏}‏، ويجوز أن يكون من صلة ‏{‏فشهادة‏}‏، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «أربعُ» بالرفع وذلك على خبر قوله ‏{‏فشهادة‏}‏ قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن الشهادة ليست ب ‏{‏أربع شهادات‏}‏ و‏{‏بالله‏}‏ على هذه القراءة من صلة ‏{‏شهادات‏}‏، ولا يجوز أن يكون من صلة «شهادة» لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو ‏{‏أربع شهادات‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إنه لمن الكاذبين‏}‏ في قول من نصب «أربعَ شهادات» يجوز أن تكون من صلة «شهادة» وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع المفعول به، ومن رفع «أربعُ شهادات» فقوله ‏{‏إنه لمن الكاذبين‏}‏ من صلة ‏{‏شهادات‏}‏ لعلة الفصل المتقدمة في قوله ‏{‏بالله‏}‏، وقرأ حفص عن عاصم «والخامسةَ» بالنصب في الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن والحسن والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما «والخامسةُ» بالرفع، فأما من نصب فإن كان من قراءته نصب قوله «أربعَ شهدات» فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، وأن كان يقرأ «أربعُ» بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من رفع قوله «والخامسةُ» فإن كان يقرأ «أربعُ» بالرفع فقوله «والخامسةُ» عطف على ذلك، وإن كان يقرأ «أربعَ» بالنصب فإنه حمل قوله «والخامسةُ» على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

ومشجج أما سواد قذاله *** البيت على قوله‏:‏ «إلا رواكد جمرهن هباء» لأن المعنى ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله «والخامسةُ» في الأولى، وإنما خلاف السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله ‏{‏أن تشهد أربع‏}‏ ‏{‏والخامسة‏}‏ على القطع والحمل على المعنى، وقرأ نافع وحده «أن لعنة» و«أنَّ غضب»، وقرأ الأعرج والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى «أَن لعنة» و«أن غضب الله» وهذا على إضمار الأمر وهي المخففة كما هي في قول الشاعر‏:‏ «في فتية كسيوف الهند، البيت» وقرأ باقي السبعة «أنّ لعنة الله» «وأنّ غضب الله» بتشديد النون فيهما ونصب «اللعنة والغضب» ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد بها التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله «أن غضب» قد وليها الفعل، قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى ‏{‏علم أن سيكون‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 20‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَفلا يرون ألا يرجع‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 89‏]‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 39‏]‏ فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال وأما قوله‏:‏ ‏{‏أن بورك من في النار‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 8‏]‏ ف ‏{‏بورك‏}‏ على معنى الدعاء فلم يجز دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى، و«العذاب المدرأ» في قول جمهور العلماء الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي وأَنه لا حد عليها إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وظاهر حديث الموفقه في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أَنها كانت تحد لقول النبي عليه السلام لها فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة وجعلت «اللعنة» للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد باللعنة وجعل «الغضب» الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أَعلم‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ ولا بد أَن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق بها من مسائل اللعان إذ لا يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك وأَصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا وطء من الزوج بعده، وكذلك مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يحب بنفي حمل يدعى قبله استبراء، وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة‏:‏ لا ينفى الولد بالاستبراء لأَن الحيض يأتي على الحمل، وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد إلا بخمس سنين، واختلف المذهب في أن يقذف الرجل أو ينفي حملاً ولا يعلل ذلك لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعاناً بل يحد الزوج، وقاله ابن القاسم وروي عنه أيضاً أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء، واختلف بعد القول بالاسبتراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزئ في ذلك حيضة‏.‏ وقال أيضاً مالك لا ينفعه إلا ثلاث حيض، وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب بعد العصر تغليظاً بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وأن كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأَنها لو أقرت لم يلزمها شيء، وقال ابن الماجشون لا حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، والمستحب من ألفاظ اللعان أَن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه فيقول الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله علي أن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أَن يقول كالمرود في المكحلة، وقيل لا يلزمه ذلك وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو، وأَما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما هذا الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة، لا يقول وزنت من حيث يمكن أَن تغضب، وتقول المرأة أشهد بالله ما زنيت وأنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإِن منع جهلهما من ترتيب هذه الأَلفاظ وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أَبي صفرة أَنه قال اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال‏:‏ فأحدث طلاقاً، ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة لا يحتاج معها إلى تفريق حاكم وابن أَبي صفرة هذا ليس بعيد يزاحم به الجمهور‏.‏

ومذهب الشافعي أن الفرقة حاصلة إثر لعان الزوج وحده، وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تفريق إلا بحكم السلطان بعد لعانهما، فإن مات أحدهما بعد تمام لعانهما وقبل حكم القاضي ورثه الآخر، ومذهب المدونة أن اللعان حكم تفريقه حكم الطلاق ويعطى لغير المدخول بها نفس الصداق، وفي مختصر ابن الجلاب لا شيء لها وهذا على أن تفريق اللعان فسخ، وقال ابن القصار تفريق اللعان عندنا فسخ وتحريم اللعان أبدي بإجماع فيما أحفظ من مذهب مالك رحمه الله، ومن فقهاء الكوفة وغيرهم من لا يراه متأبداً، وإن أكذب نفسه بعد اللعان لم ينتفع بذلك، وروي عن عبد العزيز بن أَبي سلمة أنه إن أكذب نفسه بعد اللعان كان خاطباً من الخطاب، وإن تقدمت المرأة في اللعان فقال ابن القاسم لا تعيد، وقال أشهب تعيد، والجواب في قوله ‏{‏ولولا فضل الله عليكم ورحمته‏}‏ الآية محذوف تقديره لكشف الزناة بأيسر من هذا، ولأخذهم بعذاب من عنده، أو نحو هذا من المعاني التي أوجب تقديرها إبهام الجواب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أنزلت في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وما اتصل بذلك من أمر «الإفك» وفي البخاري في غزوة بني المصطلق عن عائشة قالت وأنزل الله العشر الآيات ثم أنزل الله ما قرئ في براءتي فكأنها عدت ما تختص بها‏.‏ و«الإفك» الزور والكذب، والأفاك الكذاب، و«الإفك» قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب وبذلك شبه الكذب واختصار، حديث «الإفك» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعائشة في غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع قال ابن إسحاق كانت سنة ست، وقال ابن عقبة كانت سنة أَربع فضاع لها هناك عقد، فلما انصرفت إلى الرحل شعرت بضياعه وجعلت تطلبه، وسار الناس يومئذ فوجدته وانصرفت فلم تجد أحداً وكانت شابة قليلة اللحم رفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه فلما لم تجد أحداً اضطجعت في مكانها رجاء أَن تفتقد فيرجع عنها فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل إنا لله وإِنا إليه راجعون، وذلك أنه تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة وقيل اتفاقاً فلما مر بسوادها قرب منها فعرفها، فاسترجع وقال ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفت هاهنا، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة فوقع أهل «الإفك» في مقالتهم وكل الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أَثاثة وحمنة بنت جحش، وهذا اختصار الحديث هو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم وهو في مسلم أكمل وكان صفوان صاحب ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته وكان من خيار الصحابة قال لما سمع ما قال الناس فيه‏:‏ سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قط‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ أراد بزنى، ويدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنيه «لهما أشبه به من الغراب بالغراب» وقيل كان حصوراً لا يأتي النساء ذكره ابن إسحاق عن طريق عائشة، وقتل شهيداً رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشر في زمن عمر، وقيل في بلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية، وقوله ‏{‏عصبة‏}‏ رفع على البدل من الضمير في ‏{‏جاؤوا‏}‏ وخبر ‏{‏إن‏}‏ في قوله ‏{‏لا تحسبوه‏}‏ والتقدير إن فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أَن يكون ‏{‏عصبة‏}‏ خبر ‏{‏إن‏}‏ و«العصبة» الجماعة من العشرة إلى الأربعين، قاله يعقوب وغيره ولا يقال عصبة لأقل من عشرة ولم يسم من أهل «الإفك» إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله وجهل الغير قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبدالملك بن مروان وقال ألا إنهم كانوا ‏{‏عصبة‏}‏ كما قال الله تعالى‏.‏

وقوله ‏{‏لا تحسبوه‏}‏ خطاب لكل من ساءه من المؤمنين، وقوله ‏{‏بل هو خير لكم‏}‏ يريد لنه تبرئة في الدنيا وترفيع من الله تعالى في أَن نزل وحيه بالبراءة من ذلك وأجر جزيل في الآخرة وموعظة للمؤمنين في غابر الزمن، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة‏.‏ ففي ذلك شفاء وخير هذه خمسة أوجه، والضمير في قوله ‏{‏منهم‏}‏ عائد على العصبة المذكورة، و‏{‏اكتسب‏}‏ مستعملة في المآثم ونحوها لأنها تدل على اعتمال وقصد فهو أبلغ في التذنيب، وكسب مستعمل في الخير وذلك أن حصوله مغن عن الدلالة على اعتمال فيه، وقد تستعمل كسب في الوجهين ومثله‏:‏

فحملت برة واحتملت فجاره، والإشارة بقوله ‏{‏والذي تولى كبره‏}‏ إلى عبد الله بن أبي سلول، والعذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهذا قول الجمهور وهو ظاهر الحديث، وروي عن عائشة رضي الله عنها أَن حسان بن ثابت دخل عليها يوماً وقد عمي فأنشدها مدحه فيها‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

حصان رزان ما تزنُّ بريبة *** وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

فقالت له عائشة‏:‏ لا لكنك لست كذلك تريد أَنه وقع في الغوافل فأنشد‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

فإن كان ما قد قيل عني قلته *** فلا رفعت سوطي إليَّ أَناملي

فلما خرج قال لها مسروق أيدخل هذا عليك وقد قال ما قال وتوعده الله بالعذاب على توليه كبر الإفك، فقالت عائشة أي عذاب أشد من العمى، وضرب الحد‏؟‏ وفي بعض الروايات وضربه بالسيف ع فأما قولها عن الحد فإن حسان بن ثابت وحمنة ومسطحاً حدوا، ذكر ذلك ابن إسحاق وذكره الترمذي وأَما ضربه بالسيف فإن صفوان بن العطل لما بلغه قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

تلق ذباب السيف عني فإنني *** غلام إذا هوجيت لست بشاعر

فأخذ جماعة صفوان ولببوه وجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر رسول الله صلى الله عليه جرح حسان أو استوهبه إياه وهذا يقتضي أن حسان ممن تولى الكبر، وقال الإشارة ب ‏{‏الذي‏}‏ إلى البادي بهذه الفرية والذي اختلقها ف ‏{‏لكل‏}‏ واحد ‏{‏منهم ما اكتسب‏}‏ وللبادي المفتري عذاب عظيم، وهو على غير معين وهذا قول الضحاك والحسن وقال أَبو زيد وغيره هو عبدالله بن أَبي، وقرأ جمهور الناس «كِبره» بكسر الكاف، وقرأ حميد والأعرج ويعقوب والزهري وأَبو رجاء والأعمش وابن أَبي عبلة «كُبره» بضم الكاف وهما مصدران من كبر الشيء عظم، ولكن استعملت العرب ضم الكاف في السن تقول هذا كبر القوم أي كبيرهم سناً أو مكانة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة «الكبر الكبر» ومن استعماله في المعنى الثاني قول ابن الحطيم‏:‏ ‏[‏المنسرح‏]‏

تنام عن كبر شأنها فإذا *** قامت رويداً تكاد تنقصف

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 13‏]‏

‏{‏لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ‏(‏12‏)‏ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

الخطاب بهاتين الآيتين لجميع المؤمنين حاشى من تولى الكبر ويحتمل دخولهم في الخطاب، وفي هذا عتاب للمؤمنين أي كان الإنكار واجباً عليهم، والمعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم وإذا كان ذلك يبعد فيهم فكانوا يقضون بأنه من صفوان وعائشة أبعد لفضلهما، وروي أَن هذا النظر السديد وقع من أَبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت له يا أًبا أيوب أسمعت ما قيل‏؟‏ فقال نعم وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك‏؟‏ قالت لا والله، قال فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب نعم فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏جاؤوا‏}‏ لأولئك الذين تولوا الكبر وإذا كانوا عند الله كذبة فهي الحقيقة فيهم وعند هذا حدوا، ولم يرو في شهير الدواوين أَن عبدالله بن أبي حد، ويشبه ذلك لأَنه لم تقم عليه بالمقالة بينة لنقاقه وتستره، وإنما كان يخوض فيه مع من يذيعه ولا يسأل عن شهادته كما قال عروة أخبرت أَنه كان يقره ويستمعه ويستوشيه‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ ولكن النبي عليه السلام استعذر منه على المنبر ووقذه بالقول ووقع في أمره بين الأوس والخزرج ما هو مطول في مسلم في جملة حديث الإفك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 18‏]‏

‏{‏وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏14‏)‏ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ‏(‏15‏)‏ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ‏(‏16‏)‏ يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏17‏)‏ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏18‏)‏‏}‏

هذا عتاب من الله تعالى بليغ ذكر أَن حالتهم التي وقع فيها جميعهم من تعاطيهم الحديث وإن لم يكن المخبر ولا المخبر مصدقين، ولكن نفس التعاطي والتلقي من لسان إلى لسان والإفاضة في الحديث هو الذي وقع العتاب فيه، وقرأ محمد بن السميفع «إذ تُلْقُونه» بضم التاء وسكون اللام وضم القاف من لإلقاء، وهذه قراءة بينة وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود «إذ تتلقونه» بضم التاء من التلقي بتاءين، وقرأ جمهور السبعة «إذ تلقونه» بحذف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام وهو ايضاً من التلقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «أتلقونه» بإدغام الذال في التاء، وقرأ ابن كثير «إذ تلقونه» بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء وهذه قراءة قلقة لأنها تقتضي اجتماع ساكنين وليس كالإدغام في قراءة من قرأ فلا «تناجوا ولا تنابزوا» لأن لدونة الألف الساكنة وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا يحسن مع سكون الدال، وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنها وهي أعلم الناس بهذا الأمر «إذ تَلِقُونه» بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، ومعنى هذه القراءة من قول العرب ولق الرجل ولقاً إذا كذب قال ابن سيده في المحكم قرئ «إذ تلقونه» وحكى أَهل اللغة أَنها من ولق إذا كذب فجاؤوا بالمعتدي شاهداً على غير المعتدي وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه فحذف حرف الجر ووصل بالضمير، وحكى الطبري وغيره أَن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء كعدو في إثر عدو وكلام في إثر كلام يقال ولق في سيره إذا أسرع ومنه قول الشاعر‏:‏

«جاءت به عنس من الشام تلق» *** وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتقولون بأفواهكم‏}‏ مبالغة وإلزام وتأكيد‏.‏

والضمير في قوله ‏{‏وتحسبونه‏}‏ للحديث والخوض فيه والإذاعة له، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا إذ سمعتموه‏}‏ إلى ‏{‏حكيم‏}‏، عتاب لجميع المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه السلام وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها ‏{‏بهتان‏}‏، وحقيقة البهتان أَن يقال في الإنسان ما ليس فيه والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه‏.‏ ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة و‏{‏وأَن‏}‏ مفعول من أَجله بتقدير «كراهية أن» ونحوه، وقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ توقيف وتأكيد كما تقول ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلاً وسائر الآية بين و‏{‏عليم حكيم‏}‏ صفتان تقتضيهما الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 20‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏19‏)‏ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

قال مجاهد وابن زيد الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين عبد الله بن أَبي ومن أشبهه، وهي خاصة في أمر عائشة رضي الله عنها ع فحبهم شياع ‏{‏الفاحشة‏}‏ في المؤمنين متمكن على وجهه لعداوتهم في أهل الإيمان، و«عذابهم الأليم» ‏{‏في الدنيا‏}‏ الحدود، وفي ‏{‏الآخرة‏}‏ النار، وقالت فرقة وقولها الأظهر الآية عامة في كل قاذف منافقاً كان أو مؤمناً ع فالقاذف المؤمن لا يتصف بحب شياع ‏{‏الفاحشة‏}‏ في المؤمنين جملة لكنه يحبها لمقذوفه، وكذلك آخر لمقذوفه، وآخر حتى ‏{‏تشيع الفاحشة‏}‏ من مجموع فعلهم فهم لها محبون بهذا الوجه من حيث أحب واحد جزءاً من شياعها، والعذاب الأليم ‏{‏في الدنيا‏}‏ الحدود وفي ‏{‏الآخرة‏}‏ يحتمل وجهين أحدهما أن يكون القاذف متوعداً من بين العصاة بعذاب الآخرة لا يزيله الحد، حسب مقتضى حديث عبادة بن الصامت ويكون أمره كأمر المحاربين إذا صلبوا لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب، والوجه الثاني أن يحكم بأن الحد مسقط عذاب الآخرة حسب حديث عبادة بن الصامت وأن قوله ‏{‏والآخرة‏}‏ لا يريد به عموم القذفة بل يريد إما المنافقين وإما من لم يتب، وقال الطبري معناه إن مات مصراً غير تائب، وقوله ‏{‏والله يعلم‏}‏ معناه البريء من المذنب وسائر الأمور، وحجة الحكمة في ستركم والتغليظ في الوعيد والعذاب على قاذفيكم، وقوله‏:‏ ‏{‏ولولا فضل الله‏}‏ الآية جواب ‏{‏لولا‏}‏ محذوف لدلالة الكلام عليه تقدير لفضحكم بذنوبكم ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏21‏)‏‏}‏

هذا الخطاب عام لجميع المؤمنين، و‏{‏خطوات‏}‏ جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي فكأن المعنى لا تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة، وقال منذر بن سعيد يجوز أَن يكون ‏{‏خطوات‏}‏ جمع خطأ من الخبيثة، وسهلت الهمزة فنطق بها ‏{‏خطوات‏}‏ وقرأ بضم الطاء من «خُطوات» الجمهور، وقرأ بسكونها عاصم والأعمش، وقرأ الجمهور «ما زكى»، بتخفيف الكاف أَي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رشداً، وقرأ أبو حيوة والحسن «زكّى» بشد الكاف أي تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالهم وتحرزكم من المعاصي، ثم ذكر تعالى أنه ‏{‏يزكي من يشاء‏}‏ ممن سبقت له السعادة وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له، ثم أخبر بأنه ‏{‏سميع‏}‏ لجميع أقوالهم وكلامهم من قذف وغيره، ‏{‏عليم‏}‏ بحق ذلك من باطله لا يجوز عليه في ذلك وهم ولا غلط‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏22‏)‏‏}‏

المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة الصديق ومسطح بن أثاثة، وذلك أنه كان ابن خالته وكان من المهاجرين البدريين المساكين وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وقيل اسمه عوف ومسطح لقب، وكان أَبو بكر ينفق عليه لمسكنته، فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبداً، فجاءه مسطح فاعتذر وقال إنما كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول، فقال له أبو بكر لقد ضحكت وشاركت فيما قيل ومر على يمينه، فنزلت الآية، وقال الضحاك وابن عباس إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة فنزلت الآية في جميعهم والأول أصح، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بأن لا يغتاط «ذو فضل وسعة» فيحلف أن لا ينفع من هذه صفته غابر الدهر، ورأى الفقهاء من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوباً وأبد ذلك أنها جرحة في شهادته ذكر الباجي في المنتقى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «أيكم المتألي على الله لا يفعل المعروف»، و‏{‏يأتل‏}‏ معناه يحلف وزنها يفتعل من الألية وهي اليمين، وقالت فرقة معناه يقصر من قولك ألوت في كذا إذا قصرت فيه، ومن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يألونكم خبالاً‏}‏، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد بن أسلم «ولا يتأل» وهذا وزنه يتفعل من الألية بلا خلاف وهي في المصحف ياء تاء لام، فلذلك ساغ هذا الخلاف لأبي جعفر وزيد فروياه، وذكر الطبري أن خط المصحف مع قراءة الجمهور فظاهر قوله إن ثم ألفاً قبل التاء، و«الفصل والسعة» هنا هي المال، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا تحبون‏}‏ الآية تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله لكم عن ذنوبكم فذلك أغفر لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قول النبي عليه السلام «من لا َيرحم لا يُرحم» فروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قال إني لأحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح النفقة والإحسان الذي كان يجري عليه، قالت عائشة وكفر عن يمينه، وقرأ ابن مسعود وسفيان بن حسين «ولتعفوا ولتصفحوا» بالتاء من فوق فيهما، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الناس هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل من حيث لطف الله فيها بالقذفة العصاة بهذا اللفظ، قال القاضي أبو محمد وإنما تعطي الآية تفضلاً من الله في الدنيا وإنما الرجاء في الآخرة، أما أن الرجاء في هذه الآية بقياس أي إذا أمر «أولي السعة» بالعفو فطرد هذا التفضل بسعة رحمته لا رب سواه، وإنما آيات الرجاء قوله تعالى‏:‏

‏{‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 53‏]‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله لطيف بعباده‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 19‏]‏‏.‏ وسمعت أبي رضي الله عنه يقول إن أرجى آية في كتاب الله عندي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 47‏]‏‏.‏ وقد قال تعالى في آية أخرى‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا وعملو الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 22‏]‏‏.‏ فشرح الفضل الكبير في هذه الآية وبشر بها المؤمنين في تلك، وقال بعضهم أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏ ‏[‏الضحى‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 25‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏23‏)‏ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏24‏)‏ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ‏(‏25‏)‏‏}‏

قال سعيد بن جبير إن هذه الآية التي تضمنت لعن القاذف وتوعده الشديد إنما هي خاصة في رماة عائشة، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما بل هذه لجميع أزواج النبي عليه السلام، غلظ الله أمر رميهن لمكانهن من الدين، فلعن قاذفهن ولم يقرن بآخر الآية توبة ع وقاذف غيرهن له اسم الفسق، وذكرت له التوبة، وقالت جماعة من العلماء بل هي في شأن عائشة إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة، وقال بعض هذه الفرقة إن هذه الآية نزلت أولاً في القاذفين، ثم نزلت بعد ذلك الآية التي صدرت في السورة التي فيها التوبة، وقد تقدم القول في ‏{‏المحصنات‏}‏ ما معناه، و«اللعنة» في هذه الآية الإبعاد وضرب الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم لهم وزوالهم عن رتبة العدالة، وعلى من قال إن هذه الآية خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبدالله بن أُبي وأَشباهه وفي ضمن رمي المحصنة رمي الرجل معها وقد يكون مؤمناً، والعامل في قوله ‏{‏يوم‏}‏ فعل مضمر يقتضيه «العذاب» أي يعذبونه ‏{‏يوم‏}‏ أو نحو هذا، وأخبر الله تعالى أن جوارحهم تشهد عليهم ذلك من أعظم الخزي والتنكيل فيشهد اللسان وقلب المنافق لا يريد ما يشهد به، وتشهد الأيدي والأرجل كلاماً يقدرها الله عليه، وقرأ جمهور السبعة «تشهد» بالتاء من فوق وقرأ حمزة والكسائي «يشهد» بالياء و«الدين» في هذه الآية الجزاء ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏شهل بن شيبان الزماني‏]‏ ‏[‏الهزج‏]‏

ولم يبق سوى العدوا *** ن دناهم كما دانوا

أي جازيناهم كما فعلوا مثل المثل كما تدين تدان، وقرأ جمهور الناس «الحقُّ» بالنصب على الصفة للدين، وقرأ مجاهد «الحقُّ» بالرفع على الصفة لله عز وجل وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب «يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم» بتقديم الصفة على الموصوف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله ‏{‏يعلمون أن الله هو الحق المبين‏}‏ يقوي قول من ذهب إلى أن الآية في المنافقين عبد الله بن أبي وغيره وذلك أَن كل مؤمن ففي الدنيا يعلم ‏{‏أَن الله هو الحق المبين‏}‏ وإلا فليس بمؤمن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏26‏)‏‏}‏

اختلف المتأَولون في الموصوف في هذه الآية ب «الخبيث والطيب»، فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة هي الأقوال والأفعال ثم اختلفت هذه الجماعة فقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات «الخبيثات» لا يقول ويرضاها إلا ‏{‏الخبيثات‏}‏ من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه وكذلك ‏{‏الطيبات للطيبين‏}‏ وقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات الخبيثات لا تليق وتلصق عند رمي الرامي وقذف القاذف إلا بالخبيثين من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه، وقال ابن زيد الموصوف بالخبيث والطيب النساء والرجال، وإنما الآية على نحو التي تقدمت وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الزاني لا ينكح إلا زانية‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 3‏]‏ الآية فمعنى هذا، التفريق بين حكم عبد الله بن أبي وأشباهه وبين حكم النبي عليه السلام وفضلاء صحابته وأمته، أي النبي عليه السلام طيب فلم يجعل الله له إلا كل طيبة وأولئك خبيثون فهم أهل النساء الخبائث‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وبهذه الآية قيل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏الطيبات‏}‏ المبرءات، وقوله ‏{‏أولئك‏}‏ إشارة إلى ‏{‏الطيبين‏}‏ المذكورين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 28‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏27‏)‏ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ‏(‏28‏)‏‏}‏

سبب هذه الآية فيما ذكر الطبري بسند عن عدي بن ثابت أن أمراة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحالة التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية، ثم هي عامة في الأمة غابر الدهر من حيث هذه النازلة تختص بكل أحد في نفسه وبيت الإنسان، هو البيت الذي لا أحد معه فيه أو البيت الذي فيه زوجه أو أمته، وما عدا فهو غير بيته، قال ابن مسعود وغيره ينبغي للأنسان أن لا يدخل البيت الذي فيه أمه إلا بعد الاستيناس، وروي في ذلك حديث عن النبي عليه السلام أن رجلاً قال يا رسول الله استأذن على أمي قال نعم قال إنما هي أمي ولا خادم لها غيري، قال «أتحب أن تراها عريانة» قال لا، قال «فاستأذن عليها وكذلك كل ذات محرم منه لأنه لا ينبغي أن يراهن عاريات»، وقالت زينب امرأة ابن مسعود كان ابن مسعود إذا جاء منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره، و‏{‏تستأنسوا‏}‏ معناه تستعلموا أي تستعلموا من في البيت وتستبصروا، تقول آنست إذا علمت عن حس وإذا أبصرت ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏آنستم منهم رشداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 6‏]‏، وقوله ‏{‏آنست ناراً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 29‏]‏ ومنه قول حسان بن ثابت «أنظر خليلي بباب جلق هل تؤنس دون البلقاء من أحد» وقول الحارث أنست نباة البيت، ووزن آنس أفعل واستأنس وزنه استفعل فكأن المعنى في «تستأنسون» تطلبون ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم أمر البيت الذي يريد دخوله فذلك يكون بالاستئذان على من فيه أو بأن يتنحنح ويستشعر بنفسه بأي وجه أمكنه ويتأنى قدر ما يتحفظ ويدخل إثر ذلك، وذهب الطبري في ‏{‏تستأنسوا‏}‏ إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شهر بكم‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ وتصريف الفعل يأبى أن يكون من آنس، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه كان يقرأ «حتى تستأذنوا وتسلموا» وهي قراءة أبي بن كعب وحكاها أبو حاتم «حتى تسلموا وتستأذنوا» قال ابن عباس ‏{‏تستأنسوا‏}‏ خطأ أو وهم من الكتاب‏.‏

قال الفقيه الإمام القاضي‏:‏ مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها ‏{‏تستأنسوا‏}‏ وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان رضي الله عنه فهي التي لا يجوز خلافها، والقراءة ب «يستأذنوا» ضعيفة، وإطلاق الخطأ والوهم على الكتاب في لفظ أجمع الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس والأشبه أن يقرأ «تستأذنوا» على التفسير، وظاهر ما حكى الطبري أنها قراءة برواية ولكن قد روي عن ابن عباس أنه قال ‏{‏تستأنسوا‏}‏ معناه «تستأذنوا»، وما ينفي هذا القول عن ابن عباس أن ‏{‏تستأنسوا‏}‏ متمكنة في المعنى بينة الوجه في كلام العرب، وقد قال عمر للنبي عليه السلام‏:‏ استأنس يا رسول الله وعمر واقف على باب الغرفة الحديث المشهور وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم فكيف يخطئ ابن عباس رضي الله عنه أصحاب الرسول في مثل هذا، وحكى الطبري أيضاً بسند عن ابن جريج عن ابن عباس وعكرمة والحسن بن أبي الحسن أنهم قالوا نسخ واستثني من هذه الآية الأولى قوله بعد

‏{‏ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 9‏]‏ ع وهذا أيضاً لا يترتب فيه نسخ ولا استثناء لأن الآية الأولى في البيوت المسكونة والآية الثانية في المباحة وكأن من ذهب إلى الاستثناء رأى الأولى عامة، وصورة الاستئذان أن يقول الرجل السلام عليكم أأدخل‏؟‏ فإن أذن له دخل وإن أمر بالرجوع انصرف وإن سكت عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف بعد الثلاث، فأما ثبوت ما ذكرته من صورة الاستئذان فروى الطبري أن رجلاً جاء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال آلج أو أنلج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة، «قولي لهذا يقول السلام عليكم ادخل» فسمعه الرجل فقالها فقال له النبي عليه السلام «ادخل» وروي أن ابن عمر آذته الرمضاء يوماً فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال‏:‏ السلام عليكم أأدخل‏؟‏ فقالت المرأة ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، فقال لها قولي ادخل، فقالت ذلك، فدخل فكأنه توقف لما قالت بسلام لاحتمال اللفظ أن تريد ادخل بسلامك لا بشخصك، ثم لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، وأما ثبوت الرجوع بعد الاستئذان ثلاثاً فلحديث ابي موسى الأشعري الذي استعمله مع عمر وشهد به لأبي موسى أبو سعيد الخدري ثم أبي بن كعب الحديث المشهور، وقال عطاء بن أبي رباح الاستئذان واجب على كل محتلم وسيأتي ذكر هذا، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «رسول الرجل إذنه» أي إذا أرسل في أحد فقد أذن له في الدخول وقوله‏:‏ ‏{‏ذلكم خير لكم‏}‏ تم الكلام عنده، وقوله‏:‏ ‏{‏لعلكم تذكرون‏}‏ معناه فعلنا ذلك بكم ونبهناكم ‏{‏لعلكم‏}‏ والضمير في قوله ‏{‏تجدوا فيها‏}‏ للبيوت التي هي بيوت الغير، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال معنى قوله ‏{‏فإن لم تجدوا فيها أحداً‏}‏ إن لم يكن لكم فيها متاع وضعف الطبري هذا التأويل وكذلك هو في غاية الضعف، وكأن مجاهداً رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون إذن‏.‏ إذا كان فيها للداخل متاع، ورأى لفظة المتاع‏:‏ متاع البيت الذي هو البسط والثياب وهذا كله ضعيف وأسند الطبري عن قتادة أنه قال‏:‏ قال رجل من المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وانا مغتبط لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو أزكى لكم‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله بما تعملون عليم‏}‏ توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولغيرهم مما يقع في محظور‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الأمر فكان لا يأتي موضعاً خرباً ولا مسكوناً إلا سلم واستأذن فنزلت هذه الآية أباح الله فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد، لأن العلة إنما هي في الاستئذان خوف الكشفة على الحرامات فإذا زالت العلة زال الحكم، ومثل أهل التأويل من هذه البيوت أمثلة فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في طرق المسافرين، قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل و‏{‏فيها متاع‏}‏ لهم أي استمتاع بمنفعتها، ومثل عطاء في بيوت غير مسكونة بالخرب التي يدخلها الإنسان للبول والغائط ففي هذا ايضاً متاع، وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيساريات والسوق، وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم، ع وهذا قول غلط قائله لفظ المتاع، وذلك أن بيوت القيسارية محظورة بأموال الناس غير مباحة لكل من أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أُذن له بها، بل أربابها موكلون بدفع الناس عنها، وقال محمد بن الحنفية أيضاً أراد تعالى دور مكة، وهذا على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وأن مكة أخذت عنوة، وهذا هو في هذه المسألة القول الضعيف، يرده قوله عليه السلام «وهل ترك لنا عقيل منزلاً» وقوله «من دخل دار أبي سفيان» «ومن دخل داره» وغير ذلك من وجوه النظر وباقي الآية بين ظاهره التوعد‏.‏